الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
85
مناهل العرفان في علوم القرآن
والمعلم يتعهد تلاميذه البادئين بأسهل المعلومات ، ثم يتدرج بهم من الأسهل إلى السهل ، ومن السهل إلى الصعب ، ومن الصعب إلى الأصعب ، حتى يصل بهم إلى أدق النظريات ، مقتضيا في ذلك آثار خطاهم إلى السمو الفكري . والكمال العقلي . كذلك الأمم تتقلب كما يتقلب الأفراد في أطوار شتى . فمن الحكمة في سياستها وهدايتها أن يصاغ لها من التشريعات ما يناسب حالها في الطور الذي تكون فيه ، حتى إذا انتقلت منه إلى طور آخر لا يناسبه ذلك التشريع الأول ، حق أن يصاغ لها تشريع آخر يتفق وهذا الطور الجديد . وإلا لاختل ما بين الحكمة والأحكام من الارتباط والإحكام ، ولم يجر تدبير الخلق على ما نشهده من الإبداع ودقة النظام ! . وإلى هذا الدليل تشير الآية الكريمة : ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها . فإنه يفهم منها أن كل آية يذهب بها اللّه تعالى على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من إزالة لفظها أو حكمها أو كليهما معا ، إلى بدل أو إلى غير بدل ، فإنه - جلت حكمته - يأتي عباده بنوع آخر هو خير لهم من الآية الذاهبة أو مثلها . والخيرية قد تكون في النفع وقد تكون في الثواب ، وقد تكون في كليهما . أما المثلية فلا تكون إلا في الثواب فقط . وذلك لأن المماثلة في النفع لا تتصور ، لأنه على تقدير ارتفاع الحكم الأول فإن المصلحة المنوط بها ذلك الحكم ترتفع ، ولا تبقى إلا مصلحة الآية المأتى بها ، فتكون خيرا من الذاهبة في نفعها لا محالة . وإذا قدر بقاء الحكم الأول وكان النسخ للتلاوة وحدها ، فالمصلحة الأولى باقية على حالها ، لم يجد غيرها حتى يكون خيرا منها أو مثلها ( الدليل الثاني ) - وهو دليل إلزامي للمنكرين - أن النسخ لو لم يكن جائزا عقلا وواقعا سمعا ، لما جوزوا أن يأمر الشارع عباده بأمر مؤقت ينتهى بانتهاء وقته ، لكنهم يجوزون هذا عقلا ويقولون بوقوعه سمعا ، فليجوزوا هذا ، لأنه لا معنى